حميد بن أحمد المحلي

53

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

بين الجنة والنار ، يرجو ثواب هذه ، ويخاف عقاب هذه ، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله ، والنجاة من النار ، مما كدّ بيده ، ورشح منه جبينه ، وإن كان ليقوّت أهله بالزيت والخل والعجوة ، وما كان لباسه إلا الكرابيس ، إذا فضل شيء عن يده من كمّه دعا بالجلم فقصه ، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد ، وإن كان أقرب القوم شبها به في لباسه وفقهه علي بن الحسين عليهما السلام . وعن عروة بن الزبير قال : كنا جلوسا في مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فتذاكرنا أعمال بدر ، وبيعة الرضوان ، فقال أبو الدرداء : ألا أخبركم بأقل القوم مالا ، وأكثرهم ورعا ، وأشدهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا : من هو ؟ قال : علي ابن أبي طالب ، قال : فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلا معرض عنه بوجهه ، ثم ابتدر له رجل من الأنصار فقال له : يا عويمر لقد تكلمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها فقال أبو الدرداء : يا قوم إني قائل ما رأيت ، وليقل كل امرئ ما رأى ، شهدت عليّا عليه السّلام ، وقد اعتزل عن مواليه ، واختفى ممن يليه ، واستتر بفسلان النخل ، فافتقدته فقلت : لحق بمنزله ، فإذا أنا بصوت حزين ، ونغمة شجي ، وهو يقول : إلهي كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنعمتك ، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك ، إلهي إن طال في عصيانك عمري ، وعظم في الصحف ذنبي ، فما أنا مؤمل غير غفرانك ، ولا أنا براج غير رضوانك ، فشغلني الصوت ، واقتفيت الأثر ، فإذا هو علي عليه السّلام بعينه ، فاستترت منه ، وأخملت الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثم فزع إلى الدعاء والاستغفار والبكاء ، والبث والشكوى ، فكان مما ناجى به ربه أن قال : إلهي أفكر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليه بليتي ، ثم قال : آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنداء ، ثم قال : آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ، آه من ملهبات لظى .